سياسه

انسوا ترامب واكتشفوا العالم

(ترجمة مقال للصحفى الأمريكي “توماس فريدمان” نشر في 28 نوفمبر 2017 بجريدة النيويورك تايمز)

في مقابلة جرت مؤخرا مع قناة MSNBC وصفت الرئيس ترامب بأنه “مرض يلتهم المخ”.

فعلت ذلك لأن سلوكه غير الملائم، وتويتاته وأفعاله الغاضبة، تجبرك كمعلق على اختيار فظيع: إما أن تتجاهل ما يفعل وبالتالي قد تشارك في جعل سلوكه المتجاوز للحدود “عاديا”، أو أن تنشغل بالكتابة عما يفعل باستمرار وتخاطر بألا تجد الوقت للتعرف على الإتجاهات الكبرى التي تشكل العالم الآن، توجهات مهمة لدرجة أنه في يوم ما قادم ستفاجئ قرائك وتجعلهم يتسائلون: “لماذا لم أعرف عن كل هذا من قبل؟”.

ولتحصين نفسي ضد ترامب من أن يلتهم دماغي، دائما ما أبتعد بأقصى ما يمكنني فعله، هذه المرة ذهبت إلى الهند، حيث تعلمت طنا من المعرفة التي لم أكن على دراية بها، وجدت الهند تحاول أن تقفز قفزة عملاقة بعيدا عن الفقر لتستطيع اللحاق بالصين، عن طريق الإنغماس في عملية سريعة لرقمنة اقتصادها بالكامل وشبكة الطاقة بها.

نعم، ففي الوقت الذي ينشغل فيه رئيسنا بلعب الجولف، والتدوين على تويتر عن “لا فار بول” والدفع بأي شيئ يمكن أن يمرر خطة الضرائب، تنشغل الصين بخلق مجتمع لا يعتمد على النقود الكاش، حيث يمكن للناس شراء العديد والعديد من الأشياء عبر تمريرة من هواتفهم المحمولة –ومن ضمنها التبرع للمتسولين- وحتى شراء أشياء من ماكينات البضائع الآلية عبر تقنية التعرف الآلي على ملامح وجوههم، والهند تحاول أن تتبع نفس الخطى.

هذه توجهات ضخمة، وفي عالم تصبح فيه البيانات “البترول” الجديد، تصنع الصين والهند مساحات هائلة من البيانات الرقمية يقوم صانعيها بكتابة تطبيقات لا يمكن تجاهلها من أجل خلق أشكال أرخص للتعليم والتأمين الصحي والترفيه والصيرفة والتمويل.

وقد ذهلت بتغيير واحد مذهل في الهند بشكل أخص، ففي عام 2009 قاد صديقي رائد أعمال التكنولوجيا “ناندان نيلكاني” بقيادة فريق من الخبراء ساعد الحكومة بإطلاق نظام نظام قومي للـ “هوية الرقمية” والمعروف بـ “آدهار” (المرادفة الهندية لكلمة “القاعدة”).

كل هندي –غني أو فقير- يذهب إلى مكتب حكومي حيث يتم مسح بصمة أصابعه وبصمة قرنيته وإدخالها لقاعدة بيانات بيومترية وربطها برقم تعريفي شخصي مكون من 12 خانة تحمل معلومات شخصية رئيسية: الاسم والعنوان وتاريخ الميلاد والنوع. وعندما غادرت حكومة حزب الكونجرس الهندي السلطة في 2014، وعندما تولت حكومة رئيس الوزراء “نارندرا مودي” – القادمة من حزب “بهارتيا جاناتا” السلطة، استكمل مودي مشروع “آدهار” ودعمه بطريقة مذهلة، ليستطيع خلال فترة وجيزة من إدراج 1.18 مليار مستخدم داخله، من أصل تعداد سكاني مكون من 1.3 مليار نسمة.

وفي دولة يسكنها العديد من المواطنين الفقراء الذين يفتقدون لأي وثيقة تعريفية أساسية مثل شهادة الميلاد أو رخصة القيادة، فإن ذلك يعتبر ثورة ضخمة، لأن معنى ذلك أن أي منهم يمكنه الآن فتح حساب بنكي والحصول على مساعدة حكومية ترسل إليهم مباشرة بدلا من الإعتماد على بيروقراطية تقليدية أو نظام مصرفي أو موظفي بريد يقتطعون 30% من تلك الأموال سنويا، فالآن يتم ربط الحسابات البنكية مباشرة بهواتف الهنود النقالة والتي يمكنهم عن طريقها من البيع والشراء وتحويل الأموال واستقبال الدفعات رقميا في أي وقت وفي اي مكان.

منصات الشبكات الرقمية التي كسرت حاجز المليار مستخدم مثل فيسبوك وجوجل وواتسآب كلها قادمة من شركات قطاع خاص، لكن “آدهار” كما لاحظت مجلة هارفارد بزنس ريفيو هي المنصة الوحيدة الغير أمريكية التي كسرت سقف المليار مستخدم وهي المنصة الوحيدة من ذلك النوع التي تم تطويرها عبر القطاع الحكومي. وهي أيضا المنصة الوحيدة المميزة التي حققت رقم المليار مستخدم في وقت قياسي لا ينازعها فيه أحد على الإطلاق.

ومثلما قادت خطوط السكة الحديد الهندية التي أنشأتها بريطانيا الدولة لتستطيع الاستفادة بشكل كفؤ من موارد البلاد، الآن تستطيع الحكومة الهندية من خلال منصة تعتمد على نظام هوية موثق مربوط بالهواتف والحسابات البنكية من خلق سكك حديد رقمية يمكنها من استفادة أكبر من الموارد البشرية الموجودة في الدولة.

“إنها تغير حياة الناس العاديين”، هكذا يصف “ألوك كشيرسجار” –شريك بشركة ماكينزي الموجودة بمدينة مومباي- الأمر، “الملايين يستفيدون الآن من نظام الدفع والإئتمان الرقمي، لقد ارتفعت نسبة الإنتاجية لأكثر من 30% عندما استخدمت الإمكانيات الرقمية في مجالات الزراعة والنقل والتصنيع، نحن الآن في المراحل الأولى من عملية تحول والتي يمكن أن تنتج أكثر من تريليون دولار من الفوائد الإقتصادية عبر السنوات السبع إلى العشر القادمة”.

الآن يمكن لأي مزارع هندي الذهاب إلى واحدة من 250،000 جميعة حكومية بها كمبيوتر، واتصال بالواي فاي، ورائد أعمال محلي يدير الجمعية بحيث يمكنه الولوج لموقع ويب يقدم الخدمات الحكومية الرقيمة عبر هويته الرقمية ليتمكن من طباعة شهادة ميلاد أو أوراق رسمية لأرضه من أجل القيام بأي نوع من المعاملات التي يحتاجها.

صديق هندي قال لي: “سائقي لديه حسابين بنكيين، واستخرج كارت بنكي لزوجته وآخر لإبنه، وأخبرني أنه يضع مبلغ س من راتبه في أحد الحاسبين ويضع مبلغ ص في الحساب الآخر شهريا، عبر هاتفه النقال، بحيث تشعر زوجته بالتمكين وأنه لا حاجة لها بأن تطلب المال من والدته، لأن الآن لديها الكارت البنكي الخاص بها، وكذلك ابنه – الذي يدرس من أجل أن يصير طبيبيا- الآن يشعر بالاستقلالية”

“نيليكاني” وزوجته “روهيني” قاما ببناء مؤسسة تدعى ” إيك-ستيب” من أجل تطوير تطبيقات تعليمية للهواتف لمساعدة أولياء الأمور والمعلمين والطلاب –مسلحين فقط بهواتفهم- في التعلم بشكل أسرع، عبر استخدام هذه الشبكات الرقمية الجديدة، وكما يقول “شانكار مارووادا”، الرئيس التنفيذي والشريك بـ “إيك-ستيب” يشرح: على عكس المنصات الأخرى، فيسبوك على سبيل المثال، والتي يقوم نظامها التجاري على “الحفاظ على انتباه المستخدم” الدائم مع المنصة، فإن إيك-ستيب وآدهار والمنصات المجتمعية الشبيهة والثورية قد تم تصميمها لـ “استعادة القوة”، وتحديدا استعادة الفقراء لها.

الغرب أصبح غنيا اقتصاديا “قبل أن يصبح غني معلوماتيا”، هكذا يضيف “برامود فارما”، الرئيس التقني لإيك-ستيب، “لذلك عندما ظهرت البيانات، فإنها أصبحت لدى الغرب وسيلة أفضل لتبيع لك الأشياء وحسب، حيث يمكن للشركات أن تستهدفك كعميل بشكل أفضل، فتصبح أنت بالنسبة لهم عميلا أفضل. ولكن في بلد مثل الهند حيث نصيب الفرد من الدخل القومي 2000 دولار، فاليوم يمكنك أن تصبح غنيا معلوماتيا قبل أن تكون غنيا اقتصاديا. وإذا قمت بتمكين الناس عبر بياناتهم، فإن باستطاعتهم استخدام بياناتهم للحصول على قروض أفضل، وأن يطوروا مهارات أفضل، وأن يتم بناء مستودع رقمي يسجل مهاراتهم ليمكنهم لاحقا من الحصول على أجور أفضل”.

والمزيد من الإبداعات المشابهة تجري الآن في قطاع الطاقة أيضا، هكذا يوضح “ماهيش كولي”، رئيس شركة “جرينكو”، وهي الشركة الأكبر في الهند التي تقوم بتوفير الطاقة المتجددة. السرقة من شبكة كهرباء الدولة تستنزف 20% من مجمل سعة شركات توزيع الكهرباء، حيث يقوم الناس بامتصاص الطاقة عبر أسلاك غير قانونية يربطوها بشبكة الكهرباء، أو لأن الشركات لا تستطيع تحديد هوية المستفيدين.

الآن يمكن للحكومة ربط الهويات المتفردة بفواتير الكهرباء، ثم تقوم بربط المساعدة الحكومية رقميا – إذا كان المستخدم فقيرا- بتلك الفواتير، هكذا يقول كولي، لقد قامت جرينكو ببناء أكبر مشروع للطاقة الشمسية في العالم على امتداد 3000 فدان مزروعين بألواح شمسية صينية الصنع، تولد 800 ميجاوات من الكهرباء تقوم بتغذية 600،000 منزل في منطقة “آندهرا براديش”، وهناك منطقتين على نفس الشاكلة يتم بنائهم حاليا، وربطهم بشبكة الكهرباء الرسمية الرئيسية.

آه، بالمناسبة، لأولئك الذين يريدون الحفاظ على وظائف العاملين في مجال الفحم، فإن مزرعة الطاقة الشمسية تلك “تم بنائها من خلال 5000 عامل ماهر ونصف ماهر”، هكذا قال كولي، “نحن نعتقد أن مجال الطاقة المتجددة سوف يخلق أكثر من مليون فرصة عمل من الجيل الجديد لنستطيع تحقيق هدف الحصول على 175 جيجاوات الذي حدده رئيس الوزراء مودي”.

قامت جرينكو ببناء تلك المحطات، يضيف، “في خمسة أشهر باستخدام لوحات شمسية صينية، وتكنولوجيا محولات أوروبية تم تصنيعها في الهند”، -لاحظ غياب التكنولوجيا الأمريكية من العملية برمتها-، كذلك فإن جرينكو تقوم بخطوات واسعة في مجال تكنولوجيا البطاريات لحفظ وتحزين الكهرباء المولدة عبر الطاقة الشمسية، بحيث يمكن استخدامها عندما لا تكون الشمس ساطعة، والآن الشركة في منتصف الطريف لبناء أول نظام تخزين بالبطاريات متصل بالشبكة الرئيسية عبر المزارع الشمسية.

“لا يوجد أي محطات للطاقة تعتمد على الفحم أو الغاز يتم بنائها اليوم في الهند”، يضيف، “ليس بسبب التشريعات والإجرائات، ولكن لأن الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وطاقة مساقط المياه، كلها يمكنها الآن المنافسة مع محطات الفحم”.

نافلة القول، فإن اقتصاد الطاقة الهندي يتحول بسرعة إلى نظام “غير كربوني، رقمي، غير مركزي”، يقول كولي، مؤمنا مستوى حياة أفضل وفي نفس الوقت يخدم الاحتياجات الكبيرة للطاقة، بدون أن تضطر الحكومة للتعامل مع التظاهرات والاحتجاجات التي تنشأ مع بناء محطات الطاقة المعتمدة على حرق الفحم أو الغاز.

إذن، فبينما نتابع نحن تويتات ترامب حول المضي قدما في استخدام “الفحم الجميل”، قامت الهند ببناء شبكة هوية رقمية مليارية يفوق عدد مستخدميها مستخدمي تويتر أنفسهم، وبناء محطات طاقة شمسية عملاقة أرخص من محطات الفحم.

تلك هي الأشياء التي فاتتك – وتلك دولة واحدة فقط.


رابط المقال الأصلي: nytimes

تعليقات فيس بوك ... شاركونا أرائكم

احصل على مواضيع رائعه اخرى
تصلك الى ايميلك

اشترك في قائمتنا البريديه ليصلك كل جديد