مجتمع

أربعة أفراح لدُخلة واحدة

بالأمس تم الاحتفال بتنجيدين في شارعنا وكانت المسافة بين الاحتفالين لا تتجاوز 20 متراً!

ولمن لا يعرف (التنجيد) فهو مصطلح مصري لعادة تجهيز مراتب وأغطية السرير وحشوها بالقطن، حيث كان (المنجّد) ومساعدوه يحضرون في الصباح الباكر ليبدأوا عملهم وينتهوا منه قبل غروب الشمس أمام منزل العروس ، وما أن يصل المنجّد حتى ترتفع الزغاريد ويقوم أهل العروس بإخراج ما تم شراؤه من أقمشة وقطن ليبدأ المنجّد عمله وهذا كان بالأساس سبب الاحتفال حيث تقوم النساء بإعداد الشاي للمنجد ومساعديه وفى منتصف النهار يحضرن لهم الغداء وسط فرحة الأهل والجيران وتبدأ النساء الغناء مع بدء الرجل عمله ليشجعنه على الإسراع بأغانٍ من التراث المصري مثل ( يا منجّد علّى المرتبة واعمل حساب الشقلبة ) وأغانٍ أخرى مثلها لا تخلو من هذه الإيحاءات الجنسية لما سيحدث فوق هذا الفراش بعد أيام .

لكن مع مرور الوقت تراجعت مهنة المنجّد إلى أضيق الحدود وخاصة في المدن الكبيرة حيث انتشرت الآن المراتب الجاهزة المصنوعة من الفايبر الحرارى والإسفنج مما يوفر راحة ودفء أكثر من المراتب القطنية ، ولكن بقى مصطلح التنجيد والاحتفال وزاد الصخب والضوضاء ؛ فلم تعُد النساء تغنى كالسابق بل يتم استئجار مكبرات للصوت ( دي.جي ) وطقوس التنجيد الآن تشمل إخراج كل ما تمّ شراؤه من أثاث ومقتنيات للعروس وعرضه وسط الشارع طوال النهار والرقص والاحتفال على أغان مكبرات الصوت وفى آخر النهار يتم نقل الأثاث إلى المسكن الجديد للعروسين ، ودائماً ما أرى في هذا الاحتفال عادة سيئة ، وحينما أتخيل نفسى في هذا الموقف إذا قررتُ الزواج يوماً أشعر باشمئزاز ؛ لماذا أتفرغ يوماً كاملاً وأدعوا أهلي وأصدقائي وكذلك تفعل العروس وأهلها لنقوم فقط بعرض أثاث بيتنا وسط الطريق العام ؟؟ والأطفال يعبثون بكل شيء!

وتبدأ مقارنات الجيران بين أثاثنا وأثاث ابنتهم وحسرة وانكسار من يريد الزواج ولا يملك شراء مثل هذا الأثاث وتعالي وتفاخر من كان أثاثه أرقى وأغلى من أثاثنا.

وإذا طلبت أنت كشاب مقبل على الزواج من أهل العروس أن يعفوك من هذا اليوم الذي لا فائدة منه بما أنك ستشترى كلّ شيء جاهزاً وأن يتم إرسال الأثاث مباشرة إلى المسكن الجديد، سيقولون لك ” عايزين نفرح ببنتنا!

ولتعُدّ معي عزيزي القارئ عدد مرات الفرح ببنتهم بغض النظر عمن يتحمل التكاليف وسط موجة الغلاء الطاحنة هذه:

أولاً الشبكة:

وهو احتفال مشروع طبعاً ينظمه أهل العروس حيث يتقدم العريس ويعطيها ذهبها وتتم إعلان الخطبة، ومعه أيضاً تبدأ إعداد بنود معركة الزواج ضمنياً؛ فلو أقام أهل العروس احتفالية الشبكة في قاعة أفراح خاصة فهذا معناه أنّ الفرح الأخير (ليلة الدخلة) والتي ستتحمّلها أنت يجب أن تكون في قاعة على نفس المستوى أو أعلى .. ولو أقاموه وسط الشارع أو أمام بيتهم فهذا تصريح ضمنىّ منهم على أنك يمكنك فعل نفس الشئ ليلة الدخلة.

ثانياً: التنجيد.

ثالثاً: الحناء.

وهى غالباً تسبق ليلة الدخلة بيوم أو اثنين على الأكثر، وهى عادة عربية متعارف عليها وليست في مصر فقط، لكنها أيضاً تطورت في مصر، فأصبحت تشمل نفس المظاهر من استئجار مكبرات الصوت واستئجار العروس لثوب خاص وأحيانا عدة أثواب تبدلها خلال الاحتفال ومن بينها طبعا الساري الهندي تأثراً بانتشار المسلسلات الهندية المدبلجة وتوغلها في عقولنا الآن .

ورابعاً وأخيراً الفرح أو ليلة الدخلة كما يسمونه.

ولكن ما زاد اشمئزازي بالأمس هو قرب المسافة كما ذكرتُ، لأن وجود الاحتفالين في نفس الشارع وعلى مقربة شديدة من بعضهما أدى إلى اختلاط أصوات مكبرات الصوت فخرجت ضوضاء لا تفهم منها شيئاً سوى أنك لو أغلقت النوافذ سينكسر زجاجها من قوة الصوت، لذا عليك التأقلم، وفعلاً وقفت أتفرج من النافذة على الأطفال وهم يعبثون بكل شيء كالعادة ويتقاذفون بالوسائد والمفارش والأغطية الخفيفة .. ويدوسون على كل شيء بأرجلهم الحافية ويبدوا أنهم قد ملّوا القفز فوق أثاث العروس التي تخص أهلهم فقرروا استكشاف الاحتفال الآخر وتسللوا إليه مما أدى إلى اختلاط بعض قطع الأثاث وتبادلها، وهذا على الأرجح هو سبب المشاجرة التي سمعتها آخر اليوم وكانت أصواتهم أعلى من مكبرات الصوت نفسها.

أرجعني هذا 15 سنة بذاكرتي حين كنتُ أسير يوماً مع أبى ورأيتُ فرحين مختلفين في نفس المكان، ويبدوا من مظهر الاحتفالين أن العائلتين لا تتمايزان في فقرهما، فقلتُ لأبى بعفوية، لماذا لم يتفقوا جميعا ويجمعوا أمرهم ويجعلوه احتفالاً واحداً بما أنهم جيران، بدلاً من التضييق على بعضهم هكذا .. وكان يمكن أن يكون احتفال واحد بمساهمتين أرقى من هذا العبث خاصة وأنّ كلّ احتفال منهما ليس فيه الكثير من الحضور.

فابتسم والدي ونظر إلى طفله الساذج يومها وقال ” انت طيب قوى يا احمد “.

#أحمد_حمدان

تعليقات فيس بوك ... شاركونا أرائكم

احصل على مواضيع رائعه اخرى
تصلك الى ايميلك

اشترك في قائمتنا البريديه ليصلك كل جديد